إمبراطورية الخوارزميات: الدليل الشامل حول قصة تأسيس تيك توك وتطوره
ثورة الفيديوهات القصيرة: القصة الكاملة لتأسيس “تيك توك” وصعوده إلى القمة
في عالم وسائل التواصل الاجتماعي، كان المشهد يبدو مستقراً لسنوات تحت هيمنة عمالقة مثل فيسبوك وإنستغرام ويوتيوب. لكن في غضون بضع سنوات قليلة، ظهر تطبيق جديد قلب الموازين، وأجبر الجميع على تقليده. إنها قصة تيك توك (TikTok)، التطبيق الذي لم يكن مجرد صدفة، بل نتاج اندماج ذكي بين التكنولوجيا المتطورة واستراتيجية الاستحواذ الجريئة.
الفصل الأول: الجذور.. شركة “بايت دانس” (ByteDance)
لا يمكن الحديث عن تيك توك دون الحديث عن الشركة الأم “بايت دانس” ومؤسسها تشانغ يي مينغ (Zhang Yiming).
- البداية (2012): أسس تشانغ يي مينغ شركة “بايت دانس” في بكين. لم يكن هدفه في البداية الفيديوهات القصيرة، بل كان يركز على “الذكاء الاصطناعي” وكيفية استخدامه لتقديم المحتوى.
- توتياو (Toutiao): أطلقت الشركة تطبيقاً إخبارياً يعتمد كلياً على الخوارزميات لفهم ما يحبه القارئ وتقديمه له. كان هذا التطبيق هو “حقل التجارب” الذي طورت فيه الشركة خوارزميتها الشهيرة التي ستصبح لاحقاً “العقل المدبر” لتيك توك.
الفصل الثاني: القصة الموازية.. تطبيق “Musical.ly”
بينما كانت بايت دانس تنمو في الصين، كان هناك تطبيق آخر ينمو في شنغهاي وسان فرانسيسكو يسمى Musical.ly.
- الفكرة: أسس التطبيق “أليكس تشو” و”لو يو يانغ” في عام 2014. الفكرة كانت بسيطة: فيديوهات مدتها 15 ثانية لمراهقين يحركون شفاههم (Lip-sync) مع الأغاني الشهيرة.
- الانتشار: حقق التطبيق نجاحاً ساحقاً بين المراهقين في الولايات المتحدة وأوروبا، وأصبح ظاهرة ثقافية بحد ذاته، لكنه كان يفتقر إلى التكنولوجيا المتطورة للحفاظ على المستخدمين لفترات طويلة.
الفصل الثالث: ولادة “دوين” (Douyin)
في سبتمبر 2016، قررت شركة “بايت دانس” دخول سوق الفيديوهات القصيرة في الصين، فأطلقت تطبيقاً اسمه “دوين” (Douyin).
- في غضون عام واحد، وصل “دوين” إلى 100 مليون مستخدم في الصين والسبب كان دمج الذكاء الاصطناعي (الذي طوروه سابقاً) مع المحتوى الترفيهي.
- قررت الشركة التوسع عالمياً، فأطلقت نسخة دولية من “دوين” باسم “تيك توك” (TikTok) في عام 2017.
الفصل الرابع: الاندماج العظيم (نقطة التحول)
في عام 2017، كان هناك تطبيقان يتنافسان: “تيك توك” (الذي يمتلك خوارزميات ذكية جداً) و “Musical.ly” (الذي يمتلك قاعدة مستخدمين ضخمة في أمريكا وأوروبا).
- الاستحواذ (نوفمبر 2017): قامت “بايت دانس” بخطوة استراتيجية جريئة واشترت Musical.ly مقابل حوالي مليار دولار.
- الدمج (أغسطس 2018): بدلاً من تشغيل التطبيقين بشكل منفصل، قامت الشركة بدمجهما معاً. استيقظ مستخدمو Musical.ly ليجدوا أن تطبيقهم قد تحول إلى TikTok.
- النتيجة: حصل تيك توك فجأة على ملايين المستخدمين النشطين، ومكتبة موسيقية ضخمة، وتقنية ذكاء اصطناعي لا مثيل لها.
لماذا نجح تيك توك؟ (الخلطة السرية)
لم يكن النجاح مجرد حظ، بل اعتمد على ركائز أساسية ميزته عن فيسبوك ويوتيوب:
- صفحة “لك” (For You Page – FYP): على عكس التطبيقات الأخرى التي تظهر لك ما ينشره أصدقاؤك، تيك توك يظهر لك ما يعتقد أنك ستحبه. الخوارزمية تتعلم منك بسرعة مخيفة (بناءً على مدة المشاهدة، الإعجاب، وحتى التوقف السريع).
- ديمقراطية الشهرة: في تيك توك، لا تحتاج لمليون متابع لكي ينتشر الفيديو الخاص بك. يمكن لشخص لديه 0 متابعين أن يحصد مليون مشاهدة إذا كان المحتوى جذاباً للخوارزمية.
- أدوات التحرير المسهّلة: حول التطبيق كل مستخدم إلى “مخرج”. الفلاتر، تسريع الفيديو، دمج الأصوات، كلها أدوات جعلت صناعة المحتوى في متناول الجميع.
التحديات والعقبات
رغم النجاح الهائل، واجه التطبيق عواصف سياسية وقانونية:
- الخصوصية والأمن القومي: واجهت الشركة اتهامات (خاصة في الولايات المتحدة) بأنها قد تشارك بيانات المستخدمين مع الحكومة الصينية، وهو ما نفته الشركة مراراً.
- الحظر: تم حظر التطبيق نهائياً في الهند (التي كانت أكبر سوق له)، وواجه تهديدات بالحظر في أمريكا ودول أخرى.
الخلاصة: مستقبل الترفيه
اليوم، تيك توك ليس مجرد تطبيق، بل هو محرك للثقافة العالمية. الأغاني تشتهر بسببه، والمنتجات تباع بسببه (Trend: #TikTokMadeMeBuyIt). لقد أجبر المنافسين على إطلاق ميزات مشابهة (Instagram Reels, YouTube Shorts)، مما يثبت أن تيك توك قد غير قواعد اللعبة للأبد.